متفرقات

النازحون السوريون بعد سقوط النظام: فرصة للعودة الآمنة أم اختبار جديد للدولة اللبنانية؟

منذ اندلاع الأحداث في سوريا في 15 آذار 2011، وجد لبنان نفسه في قلب واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخه الحديث. مئات آلاف العائلات السورية عبرت الحدود هربًا من الحرب والقصف والخوف من الاعتقال أو القتل أو الاختفاء القسري. ومع مرور السنوات، تحوّل هذا النزوح من حالة إنسانية طارئة إلى أزمة مركّبة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وأمنية وسياسية عميقة، أثّرت بشكل مباشر على بنية الدولة اللبنانية الهشّة أصلًا.

لقد توزّع النازحون السوريون على مختلف المناطق اللبنانية، وواجه كثير منهم ظروفًا إنسانية قاسية، في ظل غياب خطة دولية جدية لإعادتهم، وعجز الدولة اللبنانية عن تحمّل هذا العبء الطويل الأمد بموارد محدودة. ومع ذلك، ظلّ الخوف من العودة إلى سوريا قائمًا لدى أعداد كبيرة منهم، بسبب استمرار النظام السابق بقيادة بشار الأسد وسياسات الاعتقال والملاحقة الأمنية التي ارتبطت باسمه طوال سنوات الحرب.

غير أنّ التحوّل الكبير الذي شهدته الساحة السورية في 8 كانون الأول 2024، مع سقوط النظام الأسدي وهروب الأسد وعائلته إلى روسيا، فتح مرحلة جديدة بالكامل في مقاربة ملف النزوح. فقد تغيّرت المعادلات على الأرض، وبدأت موجات عودة تدريجية إلى مناطق أصبحت أكثر استقرارًا، رغم استمرار بعض الإشكالات الأمنية المحدودة في مناطق مثل السويداء وجرمانا وأشرفية صحنايا. وتشير المعطيات إلى أنّ جزءًا من هذه التوترات ارتبط بتحركات عناصر وضباط سابقين في الجيش الأسدي، فيما تعمل القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، بالتعاون مع المرجعيات الدينية المحلية، على احتواء الاحتقان وتثبيت الاستقرار.

لكن، وعلى الرغم من هذه التطورات، يبقى ملف النزوح السوري من أكثر الملفات تعقيدًا في لبنان. فالدولة اللبنانية التي استضافت في ذروة الأزمة ما يقارب ثلاثة ملايين نازح، لا تزال اليوم تواجه واقع وجود نحو نصف مليون سوري موزعين على مختلف الأراضي اللبنانية. وهذا الرقم، وإن تراجع مقارنة بالسنوات السابقة، لا يزال يشكّل ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد والبنية الاجتماعية والخدمات العامة، خصوصًا في ظل الأزمة المالية الخانقة التي يعيشها اللبنانيون.

وتزداد خطورة هذا الملف في ظل الظروف الأمنية الإقليمية، ولا سيما الحرب الدائرة بين إسرائيل و«حزب إيران» في لبنان، بما يضاعف هشاشة الوضع الداخلي ويجعل أي خلل أمني إضافي عامل تهديد مباشر للاستقرار الوطني.

من هنا، يصبح من الضروري التعامل مع ملف النزوح بوعي ومسؤولية، بعيدًا عن التحريض والتعميم والانفعال السياسي. المطلوب اليوم ليس خطابًا شعبويًا، بل سياسة دولة واضحة تقوم على ثلاثة عناصر أساسية: ضبط المخالفات، تنظيم الوجود، وتسهيل العودة الآمنة بالتعاون مع المجتمع الدولي.

وفي هذا السياق، يقع على عاتق الدولة اللبنانية، بكل مؤسساتها، دور أساسي في إدارة هذا الملف بحزم وواقعية، بدءًا من رئاسة الجمهورية بقيادة جوزاف عون، مرورًا بالحكومة برئاسة نواف سلام، وصولًا إلى مجلس النواب والوزارات المعنية والأجهزة الأمنية. فالمطلوب اليوم حماية الاستقرار الداخلي ومنع تكرار الفوضى التي شهدتها مراحل سابقة نتيجة غياب الإدارة السياسية والأمنية المنظمة لهذا الملف.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل المعطيات الأمنية التي تشير إلى وجود عدد من ضباط وعناصر الجيش السوري السابق داخل الأراضي اللبنانية، ممن عُرفوا بانتمائهم للنظام الأسدي وبأدوارهم السابقة في زعزعة الاستقرار أو تنفيذ عمليات أمنية خطيرة في مراحل سابقة من تاريخ لبنان. وتشير بعض المعلومات إلى ارتباط بعض هؤلاء بشبكات سياسية وأمنية ضمن ما كان يُعرف بمحور الممانعة، وإلى استمرار تواصلهم مع جهات مسلّحة داخل لبنان، ما يفرض على الدولة اللبنانية متابعة هذا الملف بدقة وحزم.

إنّ خطورة هذا الواقع لا تكمن فقط في وجود هؤلاء، بل في احتمال استثمارهم في مشاريع توتير داخلي أو في إعادة إنتاج شبكات أمنية مرتبطة بصراعات إقليمية لا مصلحة للبنان فيها. لذلك، فإن اليقظة الوطنية اليوم ليست خيارًا، بل ضرورة.

في المقابل، يبقى الحفاظ على العيش المشترك والاستقرار الداخلي مسؤولية جماعية تقع على عاتق جميع اللبنانيين، بعيدًا عن أي خطاب تحريضي أو مشاريع فتنة تُدار في الغرف السوداء وتستهدف ضرب وحدة المجتمع اللبناني. فلبنان لا يحتمل مغامرات جديدة، ولا يستطيع تحمّل صراعات إضافية فوق أزماته المتراكمة.

إنّ المرحلة الحالية تفرض على اللبنانيين إعادة ترتيب أولوياتهم الوطنية حول هدف واحد واضح: حماية الدولة، حماية الاستقرار، وحماية مستقبل الأجيال المقبلة. فالرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على معالجة ملف النزوح، بل على تثبيت معادلة تقول إن لبنان يجب أن يبقى أولًا وأخيرًا فوق كل اعتبار.

المصدر : Transparency News

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى