اقتصاد

إعادة إعمار بمليارات الدولارات… وأزمة سكن تهدد الجنوب

لا اضرار في الجنوب، فالأضرار تُصلح، اما ما يشهده الجنوب اليوم فهو دمار شامل. قرى فقدت ملامحها، وأحياء مُسحت من الخريطة، وآلاف المنازل تحولت إلى ركام، في مشهد يتجاوز كل توصيف تقليدي لنتائج الحروب، ويختصر كارثة إنسانية واقتصادية تُقدّر خسائرها بمليارات الدولارات.

أكدت الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان، بليرتا اليكو، في منشور على تطبيق اكس: أن حجم الخسائر الفعلي أكبر بكثير من التقديرات الواردة في التقييم السريع الأخير، موضحة أن الأرقام الحالية تعكس جزءاً من الواقع ولا تشمل الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنى التحتية والقطاعات الاقتصادية.

ويُظهر التقييم الأولي الذي أعدّه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية حجم الكارثة التي أصابت المباني في الجنوب، حيث جرى توثيق تدمير 11,095 مبنى بشكل كامل، إضافة إلى آلاف المباني المتضررة جزئياً أو بشكل طفيف، مع تقدير كلفة الأضرار المباشرة بنحو 1.384 مليار دولار. وسجّلت أقضية بنت جبيل ومرجعيون وصور النسبة الأكبر من الدمار، فيما قُدّر حجم الركام بأكثر من ثلاثة ملايين متر مكعب. ومع ذلك، يؤكد التقرير أن هذه النتائج ليست نهائية، إذ استندت إلى صور الأقمار الاصطناعية ورصدت الأضرار الظاهرة فقط ضمن مناطق محددة، ما يعني أن الحجم الحقيقي للخسائر لا يزال أكبر من الأرقام المعلنة، بانتظار استكمال عمليات المسح والتقييم الشامل.

فيما تكشف أرقام “الدولية للمعلومات” حجم الخسائر الهائل الذي تكبّده لبنان جراء الحربين المتتاليتين. اذ يؤكد محمد شمس الدين عبر “لبنان الكبير” ان:”منذ تشرين الأول 2023 وحتى اندلاع الحرب الحالية في 2 آذار 2026، بلغت الكلفة الاقتصادية نحو 13 مليار دولار، فيما تُقدّر خسائر الحرب الحالية بنحو 10 مليارات دولار، ليرتفع إجمالي الخسائر في الحربين إلى نحو 23 مليار دولار.”

ويلفت الى ان:”منذ 2 آذار وحتى نهاية حزيران 2026، سقط 4192 شهيداً و12 ألفاً و171 جريحاً، فيما بلغت الخسائر الاقتصادية غير المباشرة نحو 4 مليارات دولار، بمعدل 36 مليون دولار يومياً.”

أما الخسائر المباشرة، “فقد شملت أضراراً زراعية بقيمة 350 مليون دولار، وأضراراً في البنية التحتية بنحو 330 مليون دولار، إضافة إلى تضرر 3160 مؤسسة تجارية وصناعية وسياحية بكلفة تقدّر بنحو مليار دولار، فضلاً عن 35 مليون دولار مخصصة لرفع الأنقاض وإزالة السيارات المتضررة.

وفي القطاع السكني، قُدّرت أضرار المنازل المهدمة كلياً أو جزئياً بنحو 4.3 مليارات دولار. وتصدّرت محافظة النبطية قائمة المناطق المتضررة، إذ بلغ عدد المنازل المدمرة كلياً فيها نحو 30 ألف منزل، والمنازل المدمرة جزئياً 38 ألفاً و750، فيما وصل عدد المنازل المتضررة إلى 58 ألفاً و900 منزل. وبحسب “الدولية للمعلومات”، فإن إجمالي المنازل المدمرة كلياً في لبنان بلغ 37 ألفاً و200 منزل، والمنازل المدمرة جزئياً 42 ألفاً و450، فيما بلغ عدد المنازل المتضررة 63 ألفاً و100 منزل.” وفقا لشمس الدين.

في النبطية، لم تكن العودة إلى المدينة عودة إلى الحياة الطبيعية بقدر ما كانت عودة إلى مدينة منكوبة. دمار يفوق ما خلفته الحرب السابقة، وأحياء كاملة تبدلت معالمها بعدما سُوّيت منازل بالأرض، فيما دُمّرت المحال التجارية والسوق التراثي للمرة الثانية، تاركةً خلفها مدينة تحاول النهوض من تحت الركام.

ويقول رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين، عبر “لبنان الكبير”: “لا يوجد إحصاء نهائي حتى الآن حول الوحدات السكنية المدمرة فنحن نعمل على الكشف الميداني للوصول الى العدد النهائي.”

وفيما يتعلّق بعودة الاهالي، يؤكد فخر الدين ان:” خلال الأيام الثلاثة الأولى، لم يكن الناس يأتون الا في النهار لأن مقومات الحياة لم تكن موجودة. اليوم عادت المولدات إلى العمل، لكن كهرباء الدولة لا تزال غائبة. قمنا بإصلاح الكابلات، وكانت كفرجوز الأكثر تضرراً، أما عودة كهرباء الدولة فما زالت بانتظار الدولة”.

ويشير فخر الدين الى ان “جزءاً من الذين دُمّرت منازلهم يملكون منازل خارج النبطية، لكنني لا أتصور أن تستوعب المدينة جميع سكانها، خصوصاً مع تواجد نازحون من المناطق الحدودية، ما قد يخلق أزمة سكنية حقيقية، إلا أن الأمر قد يُعالج جزئياً من خلال الاستئجار في القرى المحيطة”.

وفي ما يتعلق بالايجارات، يشير فخر الدين الى ان:” نحن ندرس هذا الموضوع لمحاولة التخفيف عن المتضررين، وقانوناً لا يحق لنا إلزام المؤجر، لكننا سنضبط الأمر من خلال تحديد القيمة التأجيرية وإلزامية تسجيل عقود الإيجار في البلدية، كما سنزيد الضرائب، فإذا رفع المؤجر قيمة الإيجار سيدفع أضعافها في المالية”.

أما في صور، فعلى الرغم من عودة الحياة تدريجياً، لا تزال المدينة تداوي جراحها. ويؤكد نائب رئيس البلدية علوان شرف الدين، عبر “لبنان الكبير”، ان “24 مبنى تعرضت لدمار كلي، ونحن بانتظار رفع الأنقاض والردم وبدء إعادة الإعمار لمعرفة الكلفة الفعلية للبناء”.

ويضيف: “لا يوجد حتى الآن إحصاء كامل في ما يتعلق بقضاء صور، لكن نحو 80 في المئة من السكان عادوا، وبدأ الناس بترميم محالهم ومنازلهم”.

ويحذر شرف الدين من “أزمة سكنية متفاقمة، ولا سيما ان القرى والبلدات المجاورة تعاني أيضاً نسباً مرتفعة من الدمار، ما دفع البلدية الى إصدار بيان دعت فيه إلى منع استغلال الأهالي في بدلات الإيجار، والتشديد على عدم فرض زيادات غير مبررة أو مبالغ فيها، واعتماد أسعار عادلة تراعي الظروف الاستثنائية التي يعيشها السكان.”

كما دعا البيان إلى التعامل بروح التكافل والتضامن الاجتماعي، ومراعاة الأسر التي عانت النزوح والتهجير والخسائر الناتجة عن الحرب، إضافة إلى ضرورة تنظيم وتسجيل جميع عقود الإيجار لدى بلدية صور وفق الأصول، ضماناً لحقوق جميع الأطراف وتعزيزاً للشفافية وحسن التنظيم، مؤكداً أن البلدية ستتابع هذا الملف بالتعاون مع الجهات المعنية بما يحفظ المصلحة العامة ويعزز الاستقرار الاجتماعي في المدينة.”

لا تبدو الدولة اللبنانية قادرة، في ظل أزماتها المالية الخانقة، على تحمّل كلفة إعادة إعمار ما هدّمه وجرّفه العدو الإسرائيلي في الجنوب، ما يجعلها بحاجة إلى مؤتمر دولي – عربي يضع آلية واضحة لتمويل عملية إعادة الإعمار.

بعد توقيع اتفاق “الاطار” بين لبنان و اسرائيل في واشنطن الذي اثار غضبا في الشارع و تحديدا الجنوبي لم يصدر حتى الآن أي موقف رسمي من الثنائي الشيعي، رغم رفضه المعلن منذ البداية لهذا المسار التفاوضي.

وفي وقت تؤكد فيه “إسرائيل” تمسكها بالبقاء في المنطقة الحدودية العازلة الى حين سحب سلاح حزب الله وتأمين الأمن لمستوطني الشمال، شدد الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في كلمة له في اليوم العاشر من عاشوراء، على ان “لا خيار أمام إسرائيل إلا الانسحاب الكامل من كل شبر من الأراضي اللبنانية ووقف العدوان الذي فشل في تحقيق أهدافه التوسعية، وأن أي التزام ينتقص من سيادة لبنان لن يمر”.

وبالتالي تبقى الأسئلة مفتوحة حول مصير هذا المسار التفاوضي، وما اذا كان سيؤدي إلى تثبيت الاستقرار وبدء إعادة الإعمار، أم أن الخلاف حول شروطه قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد.

اذا بين الركام الذي لم يُرفع بعد، والبيوت التي لم تُرمم، يقف الجنوب أمام مشهدين: إما تثبيت مسار الدولة وفتح ورشة إعادة إعمار طال انتظارها، وإما العودة الى دوامة الحرب وما قد تحمله من دمار جديد تحت عنوان تحرير الأرض.

المصدر: لبنان الكبير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى