الحرب قسّمت لبنان إلى “إقتصاد مناطق”: التضخم الأعلى في النبطية بنسبة 25.87 بالمئة!

“ليبانون ديبايت”-باسمة عطوي
لم تقتصر التداعيات الإقتصادية للحرب الدائرة حاليا على إرتفاع نسبة التضخم على صعيد لبنان ككل ب13.8 بالمئة، (بحسب أرقام صادرة عن دائرة الاحصاء المركزي خلال هذا الأسبوع)، بل أيضا على تحوّل الإقتصاد اللبناني إلى إقتصاد مناطق بدل اقتصاد وطني موحّد، بسبب الفرق الكبير الذي سجلته الأسعار بين منطقة وأخرى بحسب قربها وبعدها عن خطوط النار.
كيف ذلك؟
تشير الأرقام الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزي عن شهر آذار الماضي ( شهر إندلاع الحرب)، إلى أن الأسعار إرتفعت بنسبة 25.87 بالمئة لأسعار المياه والغاز والكهرباء والمحروقات في محافظة النبطية، أي تقريبًا ضعف المعدل الوطني (13.8 بالمئة). وكان أعلى أيضا من البقاع الذي بلغت نسبة التضخم فيه (19.56 بالمئة) والشمال (16.89 بالمئة) وبيروت (16.83 بالمئة) وجبل لبنان (7.99 بالمئة ).
بحسب الخبراء، التضخم الذي سُجل في النبطية هو مثال على ما يُسمّى “تضخم الأزمات أو تضخم الحرب”، حيث تلعب العوامل الأمنية واللوجستية دورًا أكبر من العوامل النقدية. بمعنى آخر الأسعار إرتفعت في النبطية ليس لأن الناس تملك أموالًا أكثر، بل لأن السلع أصبحت نادرة أصعب في الحصول عليها، بسبب الأضرار المباشرة للبنية التحتية (كهرباء، محطات وقود، شبكات مياه)،وصعوبة الإمدادات نتيجة الوضع الأمني، والاعتماد الأكبر على المولدات الخاصة والمحروقات بأسعار مرتفعة، من دون أن يلغي ذلك إحتمال وجود إحتكار أو ضعف رقابة في ظروف الحرب، ضعف قدرة الدولة على توحيد الأسعار والخدمات و هذا ما شكّل ضغطًا مباشرًا على القدرة الشرائية للأُسر التي بقيت صامدة في وجه العدوان.
تجدر الإشارة إلى أن التضخم في زمن الحرب له خصائص مختلفة تمامًا عن التضخم “العادي”، لأن إرتفاع الأسعار الناتج عن الاضطرابات الأمنية والاقتصادية، وليس فقط عن السياسات النقدية. أي أن السبب الأساسي يكون تدمير، نقص في المواد الاستهلاكية، وخوف من فقدان السلع، وليس فقط زيادة في الطلب أو طباعة العملة. ويشير الخبراء إلى أن الأسباب الرئيسية التي ترفع التضخم أثناء الحرب هي صدمة العرض (Supply Shock) التي تسببها تدمير الطرق والمرافق السكنية والإقتصادية، وصعوبة الإستيراد وصدمة الطاقة، لأن الحروب تضرب مباشرة قطاع الطاقة وتؤدي إلى انقطاع كهرباء وارتفاع أسعار الوقود، وهذا ينعكس على النقل والإنتاج والغذاء لذلك يُعتبر بند الطاقة “مُحرك التضخم” الأول في الحرب، ناهيك عن إضطراب سلاسل الإمداد حتى لو لم تُدمّر السلع، فالنقل يصبح أبطأ وأخطر والتأمين والأسعار ترتفع بسبب الكلفة اللوجستية، كما يلعب سلوك المستهلكين دورا في زيادة “تضخم الحرب” من خلال شراء كميات كبيرة وتخزين مواد أساسية مما يساهم في زيادة الاسعار.
من خصائص التضخم في الحرب أيضا أنه غير متوازن جغرافيًا (كما في حالة النبطية)، فهو سريع ومفاجئ و يركّز على سلع محددة (الطاقة، الغذاء، النقل) وغالبًا ما يكون مصحوبًا بتراجع الدخل أي “تضخم مع فقر” وليس فقط تضخم، ما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية وتوسّع الفقر وتراجع الطبقة الوسطى وإنتقال الاقتصاد نحو النقد (Cash Economy) وزيادة عدم المساواة بين المناطق.
ورغم صعوبة الوضع، يمكن للدولة الحد من تضخم الحرب من ضبط الأسعار بشكل صارم والرقابة وتأمين سلاسل الإمداد (ممرات آمنة)، ودعم الفئات الأكثر ضعفًا (تحويلات نقدية) لأن تضخم الحرب ليس مجرد أرقام، بل هو نتيجة إنهيار في منظومة الإنتاج والتوزيع، حيث تصبح السلعة نادرة ومكلفة وخطِرة في الوصول، فيدفع المواطن الثمن مضاعفًا.



