أخبار محلية

الحرب أنقذت حكومة نواف سلام

“ليبانون ديبايت” – محمد المدني

لم تُنقذ الحرب حكومة الرئيس نواف سلام لأنها نجحت، بل لأنها منحتها ما لم تستطع تأمينه، وهو غطاءً للهروب من المحاسبة. تبدّلت الأولويات، انخفض سقف التوقعات، وتراجع الضغط، فبدا وكأن الحكومة صمدت، فيما الحقيقة أن الفشل تمّ تأجيله لا أكثر.

تحوّل السؤال من ماذا أنجزتم إلى كيف ننجو، وفي هذا التحوّل سقطت المساءلة، وارتفعت مساحة التبرير، ودخلت السلطة في حالة مريحة من الاختباء خلف الحرب.

لكن ما لا يمكن إخفاؤه هو أن الخلل لم يكن يومًا ظرفيًا، بل بنيويًا. حكومة قامت على رهان أثبت سقوطه، وهو أن السير الذاتية تكفي لإدارة دولة وأن الخبرة التقنية يمكن أن تعوّض غياب القرار السياسي. فجاءت النتيجة قاسية، وهي أن وزراء يجيدون توصيف الأزمة، لكنهم يعجزون عن مواجهتها. يتقنون الشرح، لكنهم يترددون عند لحظة الحسم. يواكبون الأحداث، لكنهم لا يقودونها. وهذا يعد انهيار في مفهوم الحكم نفسه.

لبنان ليس مؤسسة تُدار بالتقارير، بل كيان سياسي معقّد يحتاج إلى جرأة القرار. ما نشهده هو العكس، إدارة مرتبكة، قرارات مؤجلة، وسلطة تُراكم الوقت بدل أن تصنعه. ومع اندلاع الحرب، لم يُعالج هذا الخلل… بل تحصّن. أصبحت الحرب ذريعة جاهزة لتبرير كل عجز، وكل غياب، وكل تأخير. كل استحقاق أُجّل، كل إصلاح عُلّق، وكل مسؤولية رُحّلت، وكأن الدولة دخلت في حالة انتظار مفتوحة بلا أفق.

في المقابل، يدفع اللبنانيون الثمن يوميًا، ومع ذلك بدأوا يتأففون حتى تحت ضغط الحرب. وهذه إشارة سياسية خطيرة. لأن الشعب الذي يتحمّل في الأزمات، حين يبدأ بالاعتراض، فهذا يعني أن الثقة سقطت فعليًا، وأن التبرير لم يعد مقبولًا.

الأخطر أن هذا الانكشاف الداخلي يترافق مع غياب خارجي واضح. في لحظة تُعاد فيها صياغة التوازنات في المنطقة، يقف لبنان خارج المعادلة، بلا موقع تفاوضي، بلا دور، وبلا تأثير. دولة بلا قرار في الداخل لا يمكن أن يكون لها وزن في الخارج.

وفي كل دول العالم، حين اندلعت الحروب، كان التغيير الحكومي جزءًا من إدارة الأزمة، لا استثناءً منها. لأن الحرب تفرض رفع مستوى القيادة، لا خفضه. تفرض حكومات قرار، لا حكومات تبرير. أما في لبنان، فقد جرى العكس تمامًا، فقد تحوّلت الحرب إلى مبرّر للإبقاء على حكومة عاجزة، بدل أن تكون سببًا لتغييرها.

وهنا تكمن الخطورة. لأن الاستمرار بهذا النهج لا يعني الاستقرار، بل تعميق الأزمة. الدولة لا تُحمى بإبقاء الضعف، بل بتصحيحه. ولا تُدار بالأعذار، بل بالقرارات.

بكلام واضح، لم تعد المشكلة في توصيف الفشل، بل في القبول به. والاستمرار بهذه الحكومة لم يعد خيارًا سياسيًا، بل مخاطرة وطنية. لأن حكومة بلا قرار، مهما كانت سيرها الذاتية لامعة، لا يمكن أن تُنقذ بلدًا على حافة السقوط.

لذلك، لم يعد التغيير ترفًا، ولا نقاشًا نظريًا. بل ضرورة عاجلة. إما إعادة تشكيل حكومة تمتلك القدرة على القرار، أو الاستمرار في إدارة الانهيار حتى نهايته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى