أزمة الطاقة العالمية: ما مدى قدرة الجزائر على تلبية احتياجات الاتحاد الأوروبي؟

تسببت الحرب التي تشنّها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران منذ 28 فبراير/شباط، في تداعيات كبيرة امتدت بشكل خاص إلى سوق الطاقة العالمي، بعد تعرض مواقع إنتاج بمنطقة الخليج للاستهداف، وكذلك بسبب استمرار إغلاق طهران لمضيق هرمز الحيوي.
أدى هذا الوضع إلى إشعال أزمة طاقة عالمية خطيرة مع ارتفاع حاد في أسعار المواد الهيدروكربونية المختلفة. حيث تستمر الأزمة منذ عدة أسابيع، رغم وعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بـ”حرب قصيرة”، ما يؤثر بشدة على الإنتاج في دول المنطقة، التي تعد من أكبر مصدري النفط والغاز في العالم.
ففي مطلع مارس/آذار، علّقت شركة قطر للطاقة الإنتاج في مجمع رأس لفان، الذي يمثل وحده حوالي 20 بالمئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال في العالم (77 مليون طن سنويا)، بسبب ضربات إيرانية.
الجزائر.. شريك استراتيجي موثوق
في ظل هذا الوضع، يعود ارتفاع الأسعار والطلب على النفط والغاز بشكل غير مباشر بالنفع على الدول المنتجة مثل الولايات المتحدة، روسيا، الصين، وكذلك الجزائر، الشريك القريب والاستراتيجي للاتحاد الأوروبي فيما يخص إمدادات الغاز.
حيث تعتبر الجزائر من أكبر منتجي الغاز الطبيعي في أفريقيا والعاشرة على الصعيد العالمي، وهي تستحوذ على نحو 12 بالمئة من إجمالي واردات الغاز إلى أوروبا.
في هذا الشأن، قالت آنا كريتي، باحثة متخصصة في المواد الخام إن الجزائر: “شريكٌ قريبٌ بالغ الأهمية بالنسبة إلى أوروبا”، خصوصا بفضل خطي أنابيب الغاز الجزائريين ترانسميد وميدغاز، اللذين ينقلان الغاز مباشرة نحو إيطاليا وإسبانيا، عبر البحر الأبيض المتوسط.
يشرح الخبير لدى “إي واي” (EY) معز عجمي لوكالة ألنباء الفرنسية، أن الخطين المؤلفين من أجزاء برّية وأخرى تحت مياه البحر، يوفران ميزة كبيرة لكونهما يقعان خارج مدى الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.
ومنذ بدء الحرب في أوكرانيا، لجأ الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز شراكته مع الجزائر في قطاعات الغاز والهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة، بهدف تأمين إمداداته ودعم التحول الطاقوي.
حول هذا الموضوع، قال حسني عبيدي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف، إن “الأوروبيين يرون في الجزائر شريكا موثوقا لأنها لم تستغل مسألة الطاقة يوما لتحقيق مكاسب سياسية، حتى إبان أسوأ فترات التوتر مع فرنسا”، في إشارة إلى الأزمة التي نشبت بين البلدين منذ اعتراف باريس بخطة الحكم الذاتي المغربية لحل نزاع الصحراء الغربية.
من الحرب في أوكرانيا إلى إيران
في هذا السياق، وصلت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني الأربعاء إلى الجزائر، حيث استقبلها الرئيس عبد المجيد تبون في قصر المرادية.
وكان وزير الطاقة الإيطالي غيلبرتو بيكيتو فراتين قال الجمعة، إن الجزائر من الدول التي تجري بلاده محادثات معها، لتأمين إمدادات الغاز بعد أن أوقفت الضربات الإيرانية على قطر صادراتها لفترة قد تطول. وأضاف أن شركات الطاقة الإيطالية الحكومية تجري محادثات مع موردين من الجزائر والولايات المتحدة وأذربيجان لتلقي المزيد من الغاز.
وعادة ما تغطي الواردات القطرية من الطاقة حوالي 10 بالمئة من الاستهلاك الإيطالي، لكن الدوحة أبلغت شركة إديسون الإيطالية بعد الهجمات الإيرانية بأنها لن تكون قادرة على الإيفاء بالتزاماتها التعاقدية لشهر أبريل/نيسان. وقال الرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة إن توقف الإمدادات سيستمر لفترة أطول على الأرجح بعد أن تعرضت منشآت الغاز لأضرار فادحة.
من جانبها، قالت مجموعة “إيني” للطاقة التي تديرها الدولة، وأبرمت مع الجزائر عقودا طويلة الأجل، إنها تتلقى كميات وفق شروط العقود الحالية.
وأصبحت الجزائر من أكبر مصدّري الغاز لإيطاليا منذ أن عملت روما على إيجاد بديل للغاز الروسي بعد بدء غزو موسكو لأوكرانيا في 2022، وهي تغطي حاليا حوالي 30 بالمئة من الاستهلاك السنوي للغاز في البلاد.
كذلك، شهدت الصادرات الجزائرية من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا ارتفاعا محسوسا منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، حيث قفزت من 265 ألف طن بين أوائل ومنتصف فبراير/شباط لتبلغ 462 ألف طن في الأسبوعين الأولين من شهر مارس/آذار، بحسب وحدة أبحاث الطاقة في واشنطن.
قدرات وبنى تحتية لا تواكب الطلب المتنامي
إلا أن القدرات التصديرية للجزائر تبقى محدودة، وفقا لخبراء تحدث معهم فرانس24. فرغم أن الجزائر لها إمكانية رفع صادراتها من الغاز الطبيعي المسال، إلا أن خطيها من أنابيب الغاز الموجهين إلى أوروبا يعملان أصلا بكامل طاقتهما.
في هذا الإطار، تشرح آنا كريتي: “لا تملك الجزائر الكميات الكافية ولا البنى التحتية الضرورية لتكون بديلا لقطر. مضيفة: “لديها موارد هائلة غير مستغلة، والتي يتطلب استغلالها استثمارات ضخمة ستستغرق عدة عقود”.
كما قالت كريتي إن الجزائر “تواجه أيضا زيادة في الطلب المحلي من الغاز، بما في ذلك لإنتاج الكهرباء، ما يحد من قدراتها التصديرية”. وتابعت الباحثة المتخصصة في المواد الخام إن الجزائر “ستساعد على تلبية الاحتياجات الأوروبية، لكنها لن تكون بديلاً للموردين الرئيسيين، وهما النرويج والولايات المتحدة”.
وكان التكتل قد تمكن من تعويض الانخفاض الحاد في واردات الغاز الروسي خلال السنوات الأربع الماضية بشكل أساسي من خلال الواردات من الولايات المتحدة والنرويج. لكن الواردات الجزائرية سجلت انخفاضا طفيفا، حيث تراجعت من 41 مليار إلى 39 مليار متر مكعب بين 2022 و2025.
مضاعفة الإنتاج واستغلال الغاز الصخري
في أواخر فبراير/شباط، أعلنت شركة سوناطراك الجزائرية العملاقة عن خطة استثمارية طموحة لتعزيز أعمال الاستكشاف وتحديث بنيتها التحتية في مجال الطاقة، تتراوح ما بين 50 إلى 60 مليار دولار (51.8 مليار يورو)، ثلث قيمتها عبر شراكات دولية. تسعى الجزائر عبر هذه الخطة إلى مضاعفة إنتاجها من الغاز، من 100 إلى 200 مليار متر مكعب بحلول 2030، ما يعادل الإنتاج الحالي لدولة قطر أي ثالث أكبر إنتاج في العالم.
سيمرّ هذا الجهد أيضا عبر استغلال حقول الغاز الصخري في مناطق صحراوية بجنوب البلاد، بحسب عجمي الذي يؤكد أنها “من الأكبر في العالم… وورقة إستراتيجية كبرى” في يد الجزائر التي تتفاوض مع المجموعتين الأمريكيتين “شيفرون” و”إكسون موبيل” للاستفادة من رؤوس أموالهما وخبرتهما التكنولوجية.
للعلم، سبق وأن التقت ميلوني بالرئيس الجزائري في يوليو/تموز 2025 في روما، حيث جرى توقيع عدة صفقات في قطاعي الطاقة والاتصالات.
المصدر: فرانس 24



