الحرب في الشرق الأوسط: هل يكون خط أنابيب النفط “شرق-غرب” السعودي بديلا لمضيق هرمز؟

فيما يترقب العالم إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف عبور صادرات النفط والغاز بشكل آمن عبره، باتت مدينة ينبع السعودية الواقعة على بُعد أكثر من 1200 كيلومتر من الخليج العربي، بمثابة الحل لهذه الأزمة، ولو بشكل مؤقت وجزئي.
حيث يبدو أن ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر لا يزال خارج الصراع المباشر الدائر بين الولايات المتحدة وإيران للسيطرة على مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميا.
رغم ذلك، يبدو أن قرار ترامب الإثنين تأجيل تفعيل تحذيراته بضرب البنى التحتية الإيرانية خمسة أيام إضافية، كان في واقع الأمر خشية لجوء طهران إلى قصف ميناء ينبع. وقد قال الرئيس الأمريكي رسميا إنه أجرى “محادثات مثمرة” مع السلطات الإيرانية. إلا أن طهران نفت لذلك.
ما أهمية خط أنابيب النفط شرق-غرب؟
هددت إيران باستهداف كافة منشآت الطاقة في المنطقة في حال أقدمت واشنطن على ضرب بنيتها التحتية، خصوصا في ضوء إنذار ترامب الأخير. ويعد ميناء ينبع أحد أبرز المواقع الاستراتيجية المرشحة لمثل ذلك القصف، خصوصا وأنه استُهدف أصلا بقصف إيراني في 19 مارس/آذار.
تقع مدينة ينبع الساحلية عند أحد طرفي خط الأنابيب هذا التابع لشركة أرامكو، والممتد لأكثر من 1200 كيلومتر، ويربط منشآت النفط السعودية الواقعة على الخليج العربي بالبحر الأحمر.
تعليقا على ذلك، قال عدي إمسيروفيتش، خبير أسواق الطاقة وأستاذ العلوم الهندسية بجامعة أكسفورد، إن خط الأنابيب شرق-غرب الذي يعبر أراضي المملكة قد “لعب دورا هاما للغاية في تخفيف صدمة خسارة الصادرات النفطية بسبب إغلاق مضيق هرمز”.
من جانبه، قال جيم كرين، المختص في الطاقة بجامعة رايس في هيوستن، لوكالة بلومبيرغ، إنه “لولا خط الأنابيب هذا، لكان دونالد ترامب على الأرجح أكثر يأسا”.
لكن الخط الذي يطلق عليه أيضا “بترولاين”، لم يلعب دورا محوريا قبل اندلاع الحرب الأخيرة. وهذا أمر طبيعي، لأن “فكرته كانت إيجاد ضمانة لصادرات النفط السعودي في حال وقوع أي اضطراب في مضيق هرمز”، حسبما أوضحت أغاتا لوسكوت-ستراخوتا، المتخصصة في أمن الطاقة بمركز الدراسات الشرقية، وهو مركز أبحاث في بولندا.
بدأ تشييد هذا الخط في عام 1982 مع اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية. حيث أدركت السلطات السعودية في تلك الفترة أنه لا ينبغي لها إبقاء صادراتها النفطية رهن مضيق هرمز، والذي يمكن لدولة مثل إيران السيطرة عليه بمفردها وإغلاقه.
حتى إن هذا الخط، الذي تستخدمه السعودية حتى اليوم بشكل محدود فقط، لم يلفت النظر أو الاهتمام بشكل ملحوظ. تقول لوسكوت-ستراخوتا إن المملكة تستخدمه “بشكل خاص لتلبية احتياجاتها الداخلية عبر تزويد مصافي النفط التي تطل على الساحل السعودي للبحر الأحمر”.
البحر الأحمر.. “خطة بديلة” لصادرات النفط السعودي؟
لطالما كانت الرياض ترى أن مضيق هرمز أكثر أهمية بالنسبة إلى صادراتها. يقول عدي إمسيروفيتش “إن التصدير من الخليج العربي [حيث تتواجد حقول النفط السعودية الرئيسية – ملاحظة المحرر] هو أرخص بكثير، لعدم وجود التكلفة الخاصة بالنقل عبر خطوط الأنابيب التي ستُضاف إلى السعر”.
علاوة على ذلك، تقول لوسكوت-ستراخوتا إن “من السهل والأسرع بالنسبة للسعودية نقل هذا النفط إلى زبائنها الرئيسيين الموجودين في آسيا، والذين هم أقرب إلى مضيق هرمز منه إلى البحر الأحمر”. لكن الحرب المستعرة في الشرق الأوسط “أظهرت أن بناء هذا الخط كان إجراءً استباقيا ذكيا من السعوديين”، وفق جيم كرين.
في الحقيقة، يعد هذا الطريق بمثابة البديل الذي يسمح للسعودية بمواصلة التصدير، تقريبا كما كانت تفعل في السابق ولو نظريا. يشرح إيكارت وورتز، مدير معهد جيغا لدراسات الشرق الأوسط في هامبورغ بألمانيا: “تقدر الطاقة الاستيعابية القصوى لهذا الخط بخمسة ملايين برميل من النفط يوميا، والتي يمكن أن نضيف إليها مليوني برميل كانت مخصصة لنقل الغاز النفطي المسال”.
نظريا، يمكن إذن للسعودية أن تواصل تصدير سبعة ملايين برميل يوميا بفضل هذا الخط، وهو ما يزيد عن الستة ملايين برميل التي كانت تصدرها قبل الحرب عبر مضيق هرمز، وفقا لبيانات وكالة رويترز.
لكن ينبغي أيضا أخذ طاقة استيعاب ميناء ينبع في الحسبان. في هذا الإطار، تقول أغاتا لوسكوت-ستراخوتا إن الميناء “لم يُصمم في الأساس لتصدير هذه الكمية الهائلة من النفط في كل يوم”. كما أن من الصعب أن تجد كافة الناقلات النفطية موضعا للرسو في ميناء ينبع، ما قد يضع السعودية بسرعة أمام معضلات لوجستية كبيرة. تشير رويترز أيضا إلى أن “من المفترض أن يكون هذا الميناء قادرا على التعامل مع حوالي 4.5 مليون برميل يوميا، لكنه نادرا ما تعامل فعليا مع أكثر من 2.5 مليون برميل لتصديرها بشكل يومي”.
شبح الحوثيين يخيم على المسار البديل
يلفت إيكارت وورتز إلى أن “خط الأنابيب شرق-غرب لا يمكن بكل تأكيد له أن يعوض كل النفط الذي لم يعد في الإمكان تصديره بسبب الوضع في مضيق هرمز”. حتى إنه لا يستطيع أصلا تعويض الصادرات السعودية نفسها. يعني هذا وفق نفس الخبير أننا بعيدون كل البعد عن الـ20 مليون برميل التي كانت تعبر الخليج العربي يوميا، وذلك حتى في حال إضافة “1.8 مليون برميل يوميا يمكن نقلها عبر خط أنابيب أبوظبي الإماراتي [يعرف كذلك بخط أنابيب أبوظبي]، الذي يسمح أيضا بتصدير النفط بعيدا عن مضيق هرمز”.
ناهيك عن ذلك، فإنّ طريق البحر الأحمر هو الآخر لا يعد بالضرورة الطريق البحري الأكثر أمانا. يشرح إمسيروفيتش: “ينبغي على ناقلات النفط التي تعبر من هنا في طريقها نحو آسيا، أن تعبر مضيق باب المندب قبل الوصول إلى خليج عدن، حيث لا يزال خطر استهدافها من قبل الحوثيين قائما بشكل دائم”.
رغم كل شيء، يبقى خط الأنابيب شرق-غرب هاما رغم أنه ليس حلا سحريا بشكل قطعي، “فمن دونه، وبدرجة أقل من دون خط أنابيب أبوظبي (ADPOC)، سيكون الوضع في سوق الطاقة العالمية أكثر صعوبة بكثير”، وفق وورتز.
أما بالنسبة إلى أرامكو السعودية، يمثل هذا الخط مكسبا فعليا خصوصا لجهة صورتها. حيث إن الشركة العملاقة المملوكة للدولة “تعطي انطباعا بأنها لاعب يمكن الاعتماد عليه حتى في زمن الحرب في هذه المنطقة”، حسبما أشارت أغاتا لوسكوت-ستراخوتا.
يبقى أن هذا العامل تحديدًا يجعل من خط أنابيب النفط السعودي شرق-غرب وميناء ينبع هدفين رئيسيين في حال ما إذا قررت إيران، زيادة الضغط على أسواق الطاقة العالمية.



