دول الخليج لم تعد قادرة على تحمّل المزيد


كشف مقال للكاتب روبرت إف. وورث في مجلة “The Atlantic” أن الحرب الدائرة مع إيران بدأت تُظهر بشكل متزايد هشاشة دول الخليج، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها حكومات المنطقة لطمأنة السكان والسياح والمستثمرين بأن الأوضاع لا تزال تحت السيطرة.
فمنذ اللحظة التي ظهرت فيها الصواريخ الإيرانية في سماء الخليج نهاية الأسبوع الماضي، رافقت عمليات اعتراضها حملة إعلامية موازية هدفها التقليل من المخاوف. فقد ظهر رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة في مقطع مصوّر وهو يتجول بهدوء داخل أحد مراكز التسوق في دبي، بينما حاول مؤثرون عبر الإنترنت التقليل من صور الفنادق المتضررة والمطارات المغلقة. حتى أن بافيل دوروف، الرئيس التنفيذي لتطبيق “تلغرام”، كتب عبر منصة “إكس” أن دبي ما تزال “أكثر أماناً إحصائياً من كثير من المدن الأوروبية حتى مع تحليق الصواريخ”.
لكن المقال يشير إلى أن استمرار الحرب لفترة أطول سيكشف نقاط ضعف عميقة في دول الخليج. فالمخاطر لا تقتصر على تعطّل صادرات النفط والغاز، بل تشمل اعتماد المنطقة شبه الكامل على تدفق الغذاء والمياه المحلاة عبر شبكات إمداد وأنابيب يمكن استهدافها بسهولة نسبية. فدول الخليج، التي تحولت خلال نصف قرن من صحراء قليلة السكان إلى مركز عالمي للهجرة والتجارة يضم نحو 60 مليون نسمة، بنت ازدهارها على افتراض أساسي مفاده أن إيران لن تقدم على استهدافها مباشرة.
ورغم أن عدد الصواريخ التي تطلق باتجاه دول الخليج انخفض في الأيام الأخيرة نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية لمنصات الإطلاق الإيرانية، فإن استمرار هجمات الطائرات المسيّرة ولو بوتيرة محدودة قد يضر بصورة الخليج كملاذ آمن للاستثمار والسياحة في منطقة مضطربة.
وتبدو دبي أكثر عرضة لهذا النوع من المخاطر نظراً لاعتماد اقتصادها بدرجة كبيرة على السياحة والاستثمار الأجنبي وسوق العقارات. لكن الحرب الحالية جعلت الخليج بأكمله رهينة للتطورات العسكرية.
وفي هذا السياق، حذر وزير الطاقة القطري سعد الكعبي من أن التصعيد قد يجبر منتجي النفط والغاز في الخليج على وقف الإنتاج خلال أيام، مشيراً إلى أن الحرب قد “تُسقط اقتصادات العالم”.
ومن بين مئات الصواريخ وآلاف الطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران منذ بدء الصراع، استهدفت معظمها قواعد عسكرية أميركية في المنطقة، إلا أن بعضها ضرب مواقع رمزية مثل فنادق في دبي، في ما يبدو أنه محاولة للضغط على قادة الخليج لدفعهم إلى ممارسة ضغوط على واشنطن لإنهاء الحرب.
كما تشير التطورات الأخيرة إلى احتمال تصعيد أكبر، بعد استهداف موانئ خليجية وتهديد إيران بمهاجمة ناقلات النفط في مضيق هرمز، الممر الذي يعبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، ما أدى عملياً إلى تعطيل حركة الملاحة فيه.
ويخشى مسؤولون في السعودية والإمارات من سيناريو أكثر خطورة يتمثل في استهداف منشآت تحلية المياه. فشبه الجزيرة العربية تخلو تقريباً من الأنهار والبحيرات، وتعتمد دول الخليج بشكل كامل تقريباً على محطات التحلية الساحلية لتأمين المياه. وتشكل هذه المنشآت نحو نصف القدرة العالمية لتحلية المياه، وغالباً ما تكون مرتبطة بمحطات الكهرباء، ما يجعلها أهدافاً شديدة الحساسية.
ويرى خبراء أن ضرب هذه المنشآت قد يشكل أزمة وجودية لدول الخليج. فخلال حرب الخليج عام 1991، قامت القوات العراقية المنسحبة بتخريب محطات تحلية المياه والكهرباء في الكويت، ما أدى إلى شلل واسع في البلاد. كما استهدف الحوثيون عام 2022 محطة تحلية ومحطات كهرباء في جنوب السعودية، وإن كانت الأضرار حينها محدودة.
كما أن تطورات الوضع داخل إيران قد تؤثر بشكل مباشر على مسار الحرب. فبعض الدوائر الدبلوماسية في المنطقة تناقش احتمال انقسام النظام الإيراني إلى فصائل متنافسة أو انزلاق البلاد إلى صراع داخلي، على غرار ما حدث في سوريا وليبيا. ومثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى فوضى تمتد بسهولة إلى خارج حدود إيران، خصوصاً مع ضيق مياه الخليج التي لا تشكل عائقاً كبيراً أمام انتقال جماعات مسلحة عبر زوارق سريعة.
وأيّ اضطراب كبير في الخليج قد يشكل ضربة استراتيجية للولايات المتحدة التي تعتمد على شبكة قواعد عسكرية في المنطقة للحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط وأفريقيا، كما قد يؤدي إلى صدمة كبيرة للاقتصاد العالمي الذي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على النفط القادم من الخليج.
ويقول الباحث كريستيان أولريخسن من معهد بيكر للسياسات العامة في جامعة رايس إن دول الخليج تجد نفسها اليوم في قلب حرب لم تكن طرفاً مباشراً فيها، لكنها تتحمل الجزء الأكبر من تداعياتها. ويضيف أن هذا هو السيناريو الذي خشيته تلك الدول لسنوات طويلة.
ورغم رغبة كثير من قادة الخليج في رؤية نهاية النظام الإيراني الذي يطلق الصواريخ عليهم اليوم، فإنهم يدركون في الوقت نفسه أن انهياره قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية ربما تكون أخطر.
المصدر: ليبانون ديبايت



