اقتصاد

مصارف لبنان تحذّر: السيولة لا تكفي لتنفيذ خطة التعافي وخطر الإفلاس قائم

أفاد مستشارٌ للبنوك التجارية اللبنانية بأن الأخيرة تفتقر إلى السيولة اللازمة لسداد ودائع المودعين بموجب مقترح حكومي يهدف إلى سدّ فجوةٍ في النظام المالي تبلغ 80 مليار دولار، مما يعقّد المفاوضات الصعبة أصلاً الرامية إلى إنعاش الاقتصاد اللبناني.

قال فرناندو باتل، رئيس قسم الاستشارات الاستراتيجية العالمية في شركة “أنكورا” (Ankura)، التي استعانت بها المصارف المحلية لقيادة المفاوضات مع مصرف لبنان والحكومة: “تشير تحليلاتنا للسيولة إلى أن معظم المصارف لا تملك القدرة على تلبية المدفوعات المطلوبة خلال فترة السنوات الأربع الأولى”.

خطة ردّ الودائع تصطدم بواقع السيولة

ينص مشروع القانون، الذي ينتظر موافقة البرلمان، على السماح للمودعين باستعادة ما يصل إلى 100 ألف دولار من ودائعهم على مدى أربع سنوات، على أن تدفع المصارف 40% من هذه المبالغ نقداً. وبحسب “أنكورا”، فإن هذا المبلغ يعادل 9 مليارات دولار من إجمالي 20 مليار دولار المطلوبة لتلك الفترة.

وأكدت الشركة أن “المشكلة الأساسية تكمن في أن مشروع القانون لا يتماشى مع الإمكانات الفعلية للقطاع المصرفي”، وتمتلك البنوك حوالي 7 مليارات دولار من حقوق الملكية.

تُحاول الحكومة، برئاسة رئيس الوزراء نواف سلام، مجدداً حلّ نزاعٍ طويل الأمد بين البنوك المحلية والحكومة والبنك المركزي حول أفضل السبل لتعويض الخسائر التي تكبّدها النظام المالي بعد الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد عام 2019.

وكانت المصارف قد أودعت مليارات الدولارات لدى مصرف لبنان المركزي عقب إطلاق ما عُرف بـ”الهندسة المالية” في 2016، وهي آلية موّلت إنفاق الدولة مقابل جذب الودائع بأسعار فائدة مرتفعة. ومع تراجع التدفقات الأجنبية وانهيار ربط العملة، عجز المصرف المركزي عن سداد التزاماته المقدّرة بنحو 80 مليار دولار، ما أدخل الطرفين في مواجهة مستمرة منذ ذلك الحين.

وتخلف لبنان عن سداد سندات يوروبوند بقيمة 30 مليار دولار تقريباً عام 2020، ما أدّى إلى عزله عن الأسواق الدولية ومعاناته من عجز مالي يُعادل ثلاثة أضعاف حجم اقتصاده.

تحفّظات صندوق النقد الدولي

بدوره، أبدى صندوق النقد الدولي، الذي يجري محادثات مع السلطات اللبنانية بشأن برنامج تمويلي، تحفظات على مشروع القانون، داعياً إلى تعديله بما يضمن احترام تسلسل أولوية المطالبات، وعدم تحميل المودعين الخسائر قبل المساهمين أو الدائنين من الفئات الأدنى.

ويشير التسلسل الهرمي القانوني للمطالبات إلى أن الخسائر يجب أن يتحملها المساهمون أولاً، ثم الدائنون، فالمودعون. إلا أن الصيغة الحالية للمشروع تنص على تقاسم الأعباء بين المصارف ومصرف لبنان والدولة.

وخلال زيارتها الأخيرة إلى لبنان، ذكرت بعثة صندوق النقد في لبنان أيضاً أن استراتيجية إعادة هيكلة البنوك يجب أن تتسق مع السيولة المتاحة في النظام المصرفي مع الإفراج التدريجي عن الودائع المصرفية.

وتتوقع الحكومة في مسودة القانون أيضاً تحويل الودائع المتبقية بعد الفترة الأولية إلى سندات مدعومة بأصول مرتبطة بالبنك المركزي. وابتداءً من السنة الخامسة، سيتلقى المودعون المؤهلون دفعات سنوية تعادل 2% من أرصدتهم القائمة، مع إلزام البنوك بتغطية 20% من هذه المدفوعات.

قال باتل: “لن تتمكن سوى عشرة بنوك من الوفاء بالتزاماتها في السنة الأولى، ولن يمتلك سوى ستة بنوك فقط السيولة الكافية للبقاء قادرة على الوفاء بالتزاماتها بعد السنة الرابعة”.

وأضاف أن عدم الوفاء بهذه المدفوعات سيؤدي إلى إفلاس البنوك، مما قد يحرم ما يصل إلى نصف مليون مودع من استرداد أموالهم. وقد أقر رئيس الوزراء، الذي ساهم في صياغة الخطة، بأنها “ليست مثالية”، وأكد أن حكومته مستعدة لتلبية مطالب صندوق النقد الدولي وسد أي ثغرات للمضي قدماً.

ارتفاع السندات وتحذيرات من تصفية القطاع المصرفي

شهدت السندات السيادية اللبنانية ارتفاعاً ملحوظاً عقب هذا المقترح، حيث وصلت إلى مستويات لم تشهدها منذ ما قبل التخلف عن السداد. ولم تبدأ الحكومة بعدُ محادثات مع حاملي السندات بشأن إعادة هيكلة الديون، وأكدت أنها لن تفعل ذلك إلا بعد إقرار ما يُسمى بقانون سد الفجوة.

لطالما جادل المقرضون بضرورة تحمل الدولة ومصرف لبنان الجزء الأكبر من الخسائر، محذرين من أن تحميل البنوك هذا العبء يُنذر بتصفية واسعة النطاق، وركود اقتصادي مطوّل، وتأخيرات إضافية في استرداد الودائع.

وقال باتل: “الدولة ومصرف لبنان هما الطرفان الرئيسيان المسؤولان عن الأزمة النظامية”، مضيفاً أن الدولة لا يمكنها التهرب من مسؤولياتها وإلقاؤها على عاتق البنوك، الأمر الذي سيؤدي إلى تصفية القطاع.

 

المصدر: بلومبرغ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى